
:bsm-salam:
2- من محاسن الإسلام
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
فإن الدين الإسلامي كله محاسن ومصالح فهو دين اليسر والسماحة والسهولة ، دين العدالة والمساواة ، دين الألفة والمحبة والإخاء ، دين العلم والعمل ، دين يهدي للتي هي أقوم ، دين الكمال والشمول ، دين الوفاء والصدق والأمانة ، دين العزة والقوة والمنعة .
دين أساسه التوحيد ، وروحه الإخلاص ، وشعاره التسامح والإخاء .
ومن محاسن الإسلام : ما شرعه من إقامة الحدود على المجرمين التي فيها زجر الناس عن الجراءة على المعاصي التي نهى الله تعالى عنها ، وبذلك حفظ الإسلام الدين والنفس والعقل والمال والنسب والعرض ، وإليك التفصيل . 1- حفظ الدين : ولذا حرم الإسلام الردة ، وهي الكفر بعد الإسلام ، بأن يتكلم بكلمة الكفر أو يعتقدها ، أو يشك شكّا يخرجه عن الإسلام ، أو يشرك بالله في القول أو الاعتقاد أو العمل ، كدعوة غير الله أو الذبح لغيره أو التوكل على غيره في جلب نفع أو دفع ضر أو حصول نصر أو غير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله وحده ، أو يستحل ما حرم الله أو يحكم بغير ما أنزل الله ، أو يترك الصلاة ونحو ذلك من أنواع الردة ، وهي تحبط الأعمال ، ولحفظ الدين وجب قتل المرتد عن الإسلام لأنه يعتبر جرثومةً ضارة وعضوا أشل في المجتمع ، قال- صلى الله عليه وسلم- : « من بدل دينه فاقتلوه » رواه البخاري وغيره ، وذلك ليحفظ على الناس دينهم فيفوزوا بالسعادة الأبدية ، وفي ذلك ردع بالغ عن تبديل الدين وإضاعته . 2- حفظ النفوس : ولذا حرم الله القتل وسفك الدماء ، أعني دماء المسلمين وأهل الذمة المعاهدين ، وتوعد على ذلك بالوعيد الشديد ، قال الله تعالى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ }{ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } [ سورة النساء آية : 93 ] لذا فالقتل كبيرة من كبائر الذنوب ، وهو أحد السبع المهلكات ، قال صلى الله عليه وسلم- : « اجتنبوا السبع الموبقات » (متفق عليه) وذكر منها قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق- وهي نفس المسلم المعصوم- والحق الذي يبيح قتلها هو القصاص " النفس بالنفس " ، والزنا بعد الإحصان - الزواج- ، والكفر بعد الإسلام (قال صلى الله عليه وسلم : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة رواه البخاري ومسلم) . وقال صلى الله عليه وسلم : « لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض » متفق عليه . وقال : « من قتل معاهد لم يرح رائحة الجنة » رواه البخاري ، فإذا كان هذا في قتل المعاهد ، وهو الذي أعطي عهدا من اليهود والنصارى ، فكيف بقتل المسلم ، ولحفظ النفوس واحترامها وجب قتل القاتل عمدا ليأمن الناس على أنفسهم قال تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } [ سورة البقرة : من الآية 178 ] ، وقال تعالى : { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ سورة البقرة : آية 179 ] ، أي تنحقن بذلك الدماء ، وتنقمع به الأشقياء ، لأن من عرف أنه مقتول إذا قتل لا يكاد يقدم على القتل ، وإذا رؤي القاتل مقتولا انذعر بذلك غيره وانزجر ، فلو كانت عقوبة القاتل غير القتل لم يحصل انكفاف الشر الذي يحصل بالقتل ، ومن الأمثال العربية ( القتل أنفى للقتل ) ، وهكذا سائر الحدود الشرعية فيها من النكاية والانزجار ما يدل على حكمة الحكيم الخبير بمصالح خلقه . 3- حفظ العقول : ولذا حرم الله كل مسكر وكل مخدر ومفتر كالخمر والحشيش والأفيون والقات والدخان : قال الله تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ سورة المائدة : آية 90 ] والخمر ما خامر العقل : أي غطاه بالإسكار سواء كان رطبا أو يابسا مأكولا أو مشروبا ، وهي أم الخبائث ، الإثم وجماع الإثم ومفتاح كل شر فمن لم يجتنبها فقد عصى الله ورسوله واستحق العذاب بمعصية الله ورسوله ، وسميت أم الخبائث- لأن شاربها إذا سكر فعل كل جريمة وهو لا يشعر ، وحرم الله الخمر لما اشتملت عليه من المفاسد وتحطيم الشخصية وإطفاء جوهرة العقل فالخمر تذهب المال وتذهب العقل ولو لم يكن فيها من المخازي إلا ذهاب المال ونقص الدين وتشويه السمعة وسقوط العدالة لكفى العاقل أن يجتنبها ، فكيف وإنها أم الخبائث والرذائل ؟ ولحفظ العقل وجب جلد شارب الخمر ثمانين جلدة ليرتدع الناس عن هذه الجريمة فتبقى عقولهم سليمة ليعقلوا بها عن الله أمره ونهيه فيفوزوا بالسعادة ويسلموا من الشقاوة . 4- حفظ الإسلام المال : فحرم السرقة وهي أخذ مال الغير المحترم خفية بغير رضاه وهي من كبائر الذنوب الموجبة لترتب العقوبة الشنيعة وهي قطع اليد حفظا للأموال واحتياطا لها فيرتدع السراق إذا علموا أنهم سيقطعون إذا سرقوا فيأمن الناس على أموالهم قال الله تعالى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ سورة المائدة : آية 38 ] . 5- حفظ الإسلام الأنساب : فحرم الله الزنى ووسائله من النظر المحرم والكلام المحرم والسماع المحرم لما في الزنى من انتشار الأمراض وانتهاك الأعراض واختلاط الأنساب فينسب الولد إلى غير أبيه ويرث من غير أقاربه فيحصل بذلك من الظلم والمفاسد ما الله به عليم { وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا } [ سورة الإسراء : آية 32 ] ، والنهي عن قربانه أبلغ من مجرد النهي عنه أي لا تحوموا حوله ولا تعملوا الوسائل الموصلة إليه (كالنظر المحرم والكلام المحرم والسماع المحرم) ، ولحفظ الأنساب وجب جلد الزاني البكر مائة جلدة مع تغريبه عن بلده الذي واقع فيه الجريمة لمدة لسنة قال تعالى : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ سورة النور آية 2 ] . أي لا ترحموهما في إقامة الحد الذي شرعه وليحضر الجلد جماعة من الناس ليشتهر ولينزجر الناس ويرتدعوا عن الزنى . كما يجب رجم الزاني المحصن ( المتزوج ) ، بالحجارة حتى يموت بالآية المنسوخ لفظها الباقي حكمها وبالسنة الصحيحة ، والجلد والرجم بعد ثبوت الزنى شهداء أو بإقراره على نفسه أربعة مرات أو بظهور الحق الزنى في المرأة . 6- حفظ الإسلام الأعراض من الوقيعة فيها : ولذا حرم الله قذف الأبرياء بالزنى وتوعد على ذلك بالوعيد الشديد قال الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }{ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ سورة النور : الآيتان 23 ، 24 ] وقال تعالى : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }{ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ سورة النور : الآيتان 4 ، 5 ] . بين الله تعالى في هذه الآيات أن من قذف امرأة محصنة حرة عفيفة عن الزنى والفاحشة- أنه- ملعون في الدنيا والآخرة وله عذاب عظيم وعليه الحد في الدنيا ثمانون جلدة وتسقط شهادته وأنه فاسق ساقط العدالة وفي الصحيحين أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال : « اجتنبوا السبع الموبقات- وذكر منها- قذف المحصنات الغافلات المؤمنات » والقذف هو الرمي بالزنى بأن يقول لامرأة مسلمة حرة عفيفة يا زانية أو يا قحبة أو يقول لزوجها : يا زوج القحبة أو يقول لولدها يا ولد الزانية ، أو يا ابن القحبة أو يقول لبنتها : يا بنت الزانية أو يا بنت القحبة . فإن القحبة عبارة عن الزانية ، فإذا قال ذلك أحد من رجل أو امرأة لرجل أو لامرأة وجب عليه الحد ثمانون جلدة إلا أن يقيم على ذلك بينة ، والبينة ما قال الله تعالى أربعة شهداء يشهدون على صدقه فيما قذف به تلك المرأة أو ذلك الرجل ، فإذا لم يقم بينة جلد إذا طالبته بذلك التي قذفها أو طالبه بذلك الذي قذفه ، وكثير من الجهال واقعون في هذا الكلام الفاحش الذي عليهم فيه العقوبة في الدنيا والآخرة ولذا قال- صلى الله عليه وسلم- : « وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم » رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (انظر كتاب الكبائر للذهبي ص90). وبإقامة هذه الحدود المتقدمة يأمن الناس على دينهم وأنفسهم وعقولهم وأنسابهم وأموالهم وأعراضهم فيرتدع الناس عن هذه الجرائم ويفوزوا بالسعادة في دينهم ودنياهم وآخرتهم ، وهذا بخلاف القوانين الوضعية التي غيرت أحكام الله وحدوده وبدلتها بقوانين من وضع البشر الناقصين من كل وجه حيث جعلت جزْاء المجرمين المعتدين على الناس بانتهاك حرماتهم ودمائهم وأموالهم وأعراضهم السجن أو الغرامات المالية فقط ، فكانت النتيجة انتشار الجرائم والفوضى وانتهاك الحرمات والاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض من غير مبالاة ولا حياء ولا وازع ولا رادع ، فصار الناس في تلك الدول المعطلة لحدود الله لا يأمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وقد قال الله تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ سورة المائدة : من الآية 44 ] ، وقال تعالى : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } [ سورة المائدة : آية 50 ] ، فما جاءت به الشريعة الإسلامية من الحدود وتنوعها بحسب الجرائم من محاسن الإسلام لأن الجرائم والتعدي على حقوق الله وحقوق عباده من أعظم الظلم الذي يخل بالنظام ويختل به الدين والدنيا فوضع الإسلام للجرائم حدودا تردع عن مواقعتها وتخفف من وطأتها من القتل والقطع والجلد وأنواع التعزيرات وكلها فيها من المنافع والمصالح الخاصة والعامة ما يعرف به العاقل حسن الشريعة وبالله التوفيق . 