العقائد الإسلامية - الجن * من هم ؟ * طريق العلم بهم. * المادة التى خلقوا منها. * طوائفهم. * الجن مكلفون كالبشر. * استماعهم القرآن من الرسول. * الجن لا يعلم الغيب. * تسخير الجن لسليمان. * إبليس والشياطين. * كل إنسان معه شيطان. * الإعراض عن هداية الله يمكن للشيطان. * التحذير من عداوة الشيطان. * لا سلطان للشيطان على المؤمنين. * مقاومة الشيطان. *حكمة خلق إبليس. * من هم ؟: الجن نوع من الأرواح العاقلة المريدة المكلفة على نحو ما عليه الإنسان، ولكنهم مجردون عن المادة البشرية، مستترون عن الحواس، لا يُرَوْن على طبيعتهم، ولا بصورتهم الحقيقية، ولهم قدرة على التشكل. * طريق العلم بهم: والطريق الذى يوصلنا إلى العلم بهذا العالم هو الوحى، وقد هدانا الكتاب والسُّنة الصحيحة عن أصل المادة التى خلقوا منها، وعن طوائفهم، وعن مصير كل طائفة، وعن تكليفهم واستماعهم القرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم. * المادة التى خلقوا منها: يقول الله فى أصل المادة التى خُلِق منها الجانّ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ( ). والآيتان تدلان على: 1 – أن الإنسان فى أول أمره خلق من تراب، ثم عجن بالماء، فصار طينًا ثم مكث حتى صار حمأ( ) مسنونًا، ثم يبس هذا الحمأ المتغير الرائحة حتى صار صلصالاً( ). 2 – وأن الجانّ فى أول أمره، خلق من نار لا دخان فيها؛ لأن السموم هو لهم النار الخالص. 3 – وأن خلق الجانّ سابق لخلق الآدميين. * طوائف الجنّ: والجن طوائف: فمنهم الكامل فى الاستقامة والطيبة وعمل الخير، ومنهم من هو دون ذلك، ومنهم البُلْه المغفلون، ومنهم الكفرة، وهم الكثرة الكاثرة. يقول الله سبحانه فى حكايته عن الجن الذين استمعوا إلى القرآن: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً ( ). أى أن منهم الكاملين فى الصلاح، ومن هم أقل صلاحًا، فهم مذاهب مختلفة كما هو الحال عند البشر. ويقول الله عنهم: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ( ). أى أن منهم المسلمين، ومنهم الظالمين أنفسهم بالكفر، فمن أسلم منهم فقد قصد الهدى بعمله، ومن ظلم نفسه فهو حطب جهنم. * الجن مكلفون كالبشر: والجن مكلفون كالإنس، ورسلهم من البشر، يقول الله سبحانه: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ( ). سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( ). ومعنى الآيات: سنفرغ لكم لنحاسبكم حسابًا دقيقًا لا يشغلنا عن ذلك شىء يا أيها الثقلان.. والثقلان مثنى ثقل وهما: الجن والإنس. يا جماعة الجن والإنس إن قدرتم أن تفروا من جانب من جوانب السماوات والأرض للهرب من الحساب ففروا، واهربوا، ولكن لن تستطيعوا ذلك إلا بالقوة التى تفوق قوة الله، وذلك لا يكون لاستحالته. * استماعهم القرآن من الرسول: وقد خضر وفد من الجن، وسمعوا القرآن من النبى صلى الله عليه وسلم، ولم يرهم وقت وجودهم، ولم يعلم بحضورهم. وفى ذلك يقول الله سبحانه: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( ). وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن، ولا رآهم.. انطلق صلى الله عليه وسلم فى طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم ؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب؛ قالوا: ما ذلك إلا من شىء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها.. فمر النفر الذين أخذوا تهامة النبى صلى الله عليه وسلم، وهو يصلى بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، وقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا.. فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم( ): قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ( ). وقال الحافظ البيهقى: وهذا الذى حكاه ابن عباس رضي الله عنه، إنما هو أول ما سمعت الجن قراءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمت حاله، وفى ذلك الوقت لم يقرأ عليهم، ولم يرهم، ثم بعد ذلك أتاه داعى الجن، فقرأ عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله عز وجل. وهذا يشير إلى ما رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذى عن علقمة قال: قلت لابن مسعود: هل صحب النبى ليلة الجن منكم أحد ؟ قال: ما صحبه منا أحد، ولكن قد افتقدناه ذات ليلة، وهو بمكة فقلنا: اغتيل، أو استطير، ما فعل به ؟ فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، حتى إذا أصبحنا، أو كان فى وجه الصبح، فإذا نحن به يجىء من حراء، قال: فذكروا له الذى كانوا فيه، فقال: أتانى داعى الجنة، فأتيتهم، فقـرأت عليهم، فانطلق، فأرانا أثرهم وأثر نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع فى أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم. * الجن لا علم له بالغيب: عِلْم الغيب مما استأثر الله به، والله لا يطلع أحدًا على غيبه، إلا إذا أراد أن يبلغ من ارتضاه من رسله ما يريد إبلاغه للناس. عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ( ). أى أنه يجعل حرسًا حول هذا الرسول الذى أطلعه على بعض الغيب المتعلق برسالته، وهذا الحرس من الملائكة والشهب لحفظ هذا الغيب من تلاعب الشياطين. وفى قصة سليمان يقول القرآن الكريم: فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ( ). * تسخير الجن لسليمان : والله سبحانه سخر الجن لسليمان، ولم يحدث ذلك لغيره فيما نعلم: فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ( )وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ( ) * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ( ) * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( ). وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ ( ). وطلب سليمان من جلسائه أن يأتيه أحد منهم بعرش بلقيس، فقال: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ( ). وعن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: « إن عفريتًا من الجن تفلَّت البارحة، ليقطع علىّ صلاتى، فـ أمكننى الله منه، فـ أخذته، فـ أردت أن أربطه إلى سارية من سوارى المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخى سليمان: " رب هب مُلكًا لا ينبغى لأحد من بعدى " فرددته خاسئًا ». * إبليس والشياطين: إبليس اسم أعجمى، ولهذا كان ممنوعًا من الصرف، وقيل إنه عربى مشتق من الإبلاس، وهو اليأس من رحمة الله، أو الإبعاد عن الخير؛ ومنع من الصرف لأنه لا نظير له فى الأسماء، أو لأنه يشبه الأسماء الأعجمية.. وهو أبو الشياطين( )، وأصلهم الأول( ).. والشياطين هم المتمردون من عالم الجن. وإذا كانت الملائكة هم جُند الله الذين يمثلون الخير والفلاح والصلاح، فإن إبليس ومن معه من الشياطين هم أعداء الله الذين يمثلون الشر والفساد، فأعمال الملائكة والشياطين على طرفى نقيض. إذ أن أعمال الملائكة تتجه أول ما تتجه إلى عبادة الله، وترقية الحياة، وتنظيم أمر هذا الوجود، وإقامة معالم النظام.. وهى تعمل دائمًا على التأليف والتجميع والتنسيق، وهداية الإنسان إلى الحق، ودعاء الله أن يغفر له سيئاته ويحفظه منها. أما أعمال الشياطين فهى تتجه دائمًا إلى التمرد على الله، وإلى التفريق والتمزيق والتخريب والتدمير، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، ووصل ما أمر الله به أن يقطع، فما من شر فى الأرض ولا فساد فى الوجود، إلا ولهم به صلة. وهم الذين زينوا للأمم السابقة سوء العمل، وحسنوا لهم الكفر والمعاصى، ودعوهم إلى تكذيب الرسل ومخالفة أوامر الله، ولا تزال هذه أعمالهم. تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ). وعن عياض المجاشعى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم فى خطبته: « أَلاَ إِنَّ رَبِّى أَمَرَنِى أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِى يَوْمِى هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْداً حَلاَلٌ( )، وَإِنِّى خَلَقْتُ عِبَادِى حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ( )، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ( )، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ( )، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِى مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَاناً، وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلاَّ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ( )، وَقَالَ إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِىَ بِكَ( )، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَاباً لاَ يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَؤُهُ نَائِماً وَيَقْظَانَ( ) ». فالشياطين هى التى دعت إلى تحريف الدين، والخروج على الفطرة، وإلى الإشراك بالله، وحرمت الحلال، وأحلت الحرام، ولا تزال الشياطين تقعد للإنسان بكل طريق صادة عن سبيل الله ومحاولة صرفه عن جلائل الأعمال. ففى حديث سبره بن فاكه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن الشيطان قعد لابن آدم بطرق: فقعد له بطريق الإسلام فقال: أتسلم، وتترك دينك ودين آبائك ؟ فعصاه، وأسلم.. ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر ؟ أتدع أرضك وسماءك ؟ فعصاه وهاجر.. ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: أتجاهد وهو تلف النفس والمال، فتقاتل، فتقتل فتنكح نساؤك ويقسم مالك ؟ فعصاه وجاهد ». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فمن فعل ذلك، فمات، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة ». والشيطان هو الذى قام بدور رئيسى فى القضاء على دعوة الإسلام فى أول صدام له مع أعدائه. وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( ). وهذا الشيطان هو الذى يزين لكل فرد ما تهفوا إليه نفسه، ويميل إليه هواه من حب للجنس، أو طمع فى المال، أو حرص على المنصب، أو تطلع إلى الجاه، أو إيثار للاستبداد، أو ميل إلى الطغيان.. بل إنه ليتسلط على المتدينين أنفسهم، ليزيدوا فى شرع الله، أو ينقصوا منه، ليطوِّعوا الدين لأهوائهم، ويخضعوه لشهواتهم. وهو الذى يغرى العداوة والبغضاء بين الناس، فيفرق بين الأخ وأخيه، وبين الزوج والزوجة، وبين طوائف الأمة وجماعاتها. وهو الذى يوقد نيران الحروب بين الأمم والشعوب، وينفخ فيها لتهلك الحرث والنسل، وتأتى على الأخضر واليابس. وكلما كان الشيطان أقدر على الشر كان أقرب منزلة وأعلى قدرًا لدى رئيسه إبليس لعنه الله. عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: « إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً.. يَجِىءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئاً، قَالَ: ثُمَّ يَجِىءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ ». إن الفساد الجنسى، والفساد الخلقى، والفساد الاجتماعى، والفساد السياسى، والفساد الاقتصادى، وكل ما يعانيه الإنسان من فتن وويلات، إنما هو من نتاج إبليس وجنوده الأشرار. * كل إنسان معه شيطان( ): وكما أمد الله الإنسان بملك يهديه، ويؤيده.. فإنه كذلك يمده بشيطان يوسوس له، ويزين له السوء، ويغريه بالمنكر، ويدعوه إلى الفتنة، يستوى فى ذلك الأنبياء وغيرهم. وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ( ). وعن عائشة رضى الله عنها قالت: خرج النبى صلى الله عليه وسلم من عندى ليلاً، فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع، فقال: « مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ، أَغِرْتِ ؟ »، قلت: وما لى لا يغار مثلى على مثلك ؟ فقال: « أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ ؟ »، قلت: يا رسول الله، أومعى شيطان ؟ قال: « نَعَمْ »، قلت: ومع كل إنسان شيطان ؟ قـال: « نَعَمْ »، قلت: ومعك يا رسول الله ؟ قال: « نَعَمْ، وَلَكِنْ رَبِّى أَعَانَنِى عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ »( ). وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: « مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ » قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: « وَإِيَّاىَ، إِلاَّ أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِى عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلاَ يَأْمُرُنِى إِلاَّ بِخَيْرٍ »( ). * الإعراض عن هداية الله يمكن للشيطان: والشيطان لا يتمكن من نفس الإنسان إلا إذا أعرض عن هداية الله، وخرج عن المنهج المرسوم. فإذا أعرض الإنسان عن الطريق المرسـوم له، عاقبه الله بتمكين الشيطان منه، فيوجهه وجهة الشر والفساد فى كل قول وفى كل فعل. وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ( ). ومع التمادى فى الغى والضلال، يستحوذ الشيطان على النفس الإنسانية، ويستولى عليها استيلاء كاملاً، حتى يبلغ الإنسان أن يكون جنديًا لإبليس، أو عضوًا فى جماعة الشياطين. اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( ). وحين يصل الإنسان إلى هذا المستوى، ويهبط إلى هذا الدرك، يكون قد بلغ النهاية فى الانحطاط الروحى، والكفر بذخائر النفس. وفى هذا الدرك تختل المقاييس، وتضطرب الموازين، وتلتبس الحقائق، ويعلو سلطان الباطل، وتسود شريعة الغاب، ويتعادى الناس تعادى الحيوانات المفترسة، ويصبح الإنسان – وهو أبدع ما أنشأته العناية الإلهية – أداة من أدوات الشر والفساد، وعاملاً من عوامل الهدم والتخريب. أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ( ). بل يصل الإنسان إلى الحالة التى يتبرأ الشيطان فيها منه. كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ( ). * التحذير من عداوة الشيطان: إن الشيطان يمثل الشر فى الأرض، ويعمل دائبًا على تدمير حياة الإنسان بزحزحته عن هداية الله، وإبعاده عن منهج الحق والرشاد. لهذا حذرنا الله من كيده، وأخبرنا بعداوته، ودعا إلى مقاومته بكل وسيلة حتى يضعف سلطانه، وتخف شروره وآثامه، فقال: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ( ). وقص علينا من عداوته لأبينا آدم عليه السلام ما فيه العظة البالغة، فقد استطاع أن يُغْريه بالأكل من الشجرة، وأن يخرجه من الجنة بكذبه وخداعه، وأن يوقعه فى مخالفة أمر الله وارتكاب نهيه، ثم قال عقب ذلك: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( ). وبيّن للإنسان ما أخذه الشيطان على نفسه منذ خصومته لآدم، أنه سيقعد على الصراط المستقيم يغوى الناس ويضلهم، قال: أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ( ) لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُوراً * وَاسْتَفْزِزْ( ) مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ( ) وَأَجْلِبْ( ) عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ( ). وفى سورة الأعراف يقول الله تعالى: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ( ) الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ( ) وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ( ). وكان حكمه هذا ظنًا وقد تحقق: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( ). وفى سورة النساء يقول الله سبحانه: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً( ) وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَرِيداً( )*لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً( ) * وَلأُضِلَّنَّهُمْ( ) وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ( ) فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ( ) وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً * يَعِدُهُمْ( ) وَيُمَنِّيهِمْ( ) وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً ( ). ويعلمنا أن الشيطان جادّ فى إلقاء خواطر السوء، ومهتم بتقوية دواعى الشر والباطل فى النفس الإنسانية. الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ( ). أى أن الشيطان يوسوس للإنسان، ويلقى فى نفسه بأن الإنفاق يذهب بالمال، ويأمره بالإمساك والبخل والحرص على المال ومنع الزكاة؛ ومن ثم كان من الواجب الحذر منه، واتقاء شروره وآثامه. وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ( ). يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ( ). ومن أبلغ ما ذكره القرآن فى الترهيب من متابعة الشيطان، ما جاء فى سورة الأنعام: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ( ). أى أن الله يقول يوم الحشر للجن وقد استكثرتم من إغواء الإنس، وقال أتباعهم من الإنس: ربنا استمتع بعضنا ببعض، أى استمتع الجن بالإنس حيث قادوهم، وأخضعوهم لسلطانهم، فكانت لهم لذة السيطرة ومتعة الرياسة، واستمتع الإنس بالجن، حيث زينوا لهم الشهوات أو دلوهم عليها، واستمر هذا الاستمتاع حتى بلغو الأجل المقدّر لهم. وفى مشهد من مشاهد القيامة يميز الله فيه المجرمين، ويوجه إليهم الخطاب ناعيًا عليهم طاعتهم للشيطان وعبادتهم له. وَامْتَازُوا( ) الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ( ) أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا( ) الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ( ) كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ( ). وفى مشهد آخر من مشاهد القيامة يخطب الشيطان فى أتباعه موقعًا اللوم عليهم فى ضلالهم ومتابعتهم له. وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ). قال ابن كثير: يخبر الله تعالى عما خاطب به إبليس أتباعه بعد ما قضى الله بين عباده، فأدخل المؤمنين الجنات، وأسكن الكافرين الدركات، فقام فيهم إبليس لغنه الله يومئذ خطيبًا، ليزيدهم حزنًا إلى حزنهم، وغمًا إلى غمهم، وحسرة إلى حسرتهم، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ على ألسنة رسله، ووعدكم فى اتباعهم النجاة والسلامة، وكان وعدًا حقًا وخبرًا صادقًا، وأما أنا وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ – كما قال الله تعالى: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً ( ) – ثم قال: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ ؛ أى ما كان لى عليكم فيما دعوتكم إليه دليل، ولا حجة فيما وعدتكم به، إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى بمجرد ذلك، هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاءوكم به، فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه فَلا تَلُومُونِي اليوم وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ فإن الذنب لكم لكونكم خالفتم الحجج، واتبعتمونى بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ أى بنافعكم ومنقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه، وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ أى بنافعى بإنقاذى مما أنا فيه من العذاب والنكال إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ .. قال قتادة: أى بسبب ما أشركتمونى من قبل وقال ابن جرير: يقول أنى جحدت أن أكون شريكًا لله عز وجل.. وهذا الذى قاله هو الراجح.. وحين يقف الإنسان وقرينه أمام الله فى الآخرة يقـول الإنسان: يا رب لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ( )، فيقول شيطانه الذى وكل به: رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ( )، فيقول الله: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ( ) وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( ) * لا سلطان للشيطان على المؤمن: والإيمان يفيض على النفس إشراقًا، ويملأ القلوب نورًا، وإذا أشرقت النفس واستنار القلب، انمحى كل ما يوسوس به الشيطان. فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ( ). وإذا ألم بالقلب الموصول بالله من مس الشيطان شىء، فسرعان ما يستيقظ: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ( ). وقد استطاع الشيطان أن يغرى آدم بالأكل من الشجرة، وأن يوقعه فيما حظره الله عليه، وأن يحرك فى نفسه بواعث الهوى ودواعى الشر إغراء وخداعًا. وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ( ). إلا أن نوازع الخير ودواعيه تيقظت فى قلب آدم وحواء، وعلما أنه خدعهما بهما، فتغلبت هذه النوازع والدواعى على وسوسة الشيطان وحظه من النفس، فتابا إلى الله، وأنابا قائلين: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( ). فقبل الله توبتهما واستجاب دعاءهما: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( ). وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ( ). وبالتوبة والإنابة إلى الله تغلب جانب الخير على جانب الشر، ومتى تغلب جانب الخير على جانب الشر فى نفس الإنسان، تعرض لهداية الله، وكان أهلاً للاجتباء والاصطفاء. والله لم يذكر لنا هذه القصة إلا لتكون مثلاً حيًّا لما ينبغى أن يكون عليه الإنسان، فالإنسان لم يخلق ملكًا منزهًا عن النقائص، وإنما خلق وعنده استعداد للبر والإثم، والصواب والخطأ، والخير والشر، والطاعة والمعصية، والتقوى والفجور. وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ( ). والإنسان بمقتضى خلافته عن الله فى الأرض مكلف بأن ينمى فى نفسه معانى البِرّ، والصواب، والخير، والطاعة، والتقوى؛ وأن يقاوم نوازع الإثم، والخطأ، والشر، والفجور، حتى يبلغ الكمال الروحى الذى أراده الله له. وفى هذه المعركة يتدخل الشيطان، ليصرف الإنسان عن تنمية قواه العليا من جانب، وليضعف من روح المقاومة بطريق الخداع والإغراء والتزيين من جانب آخر. ومن ثم كان واجبًا على الإنسان أن يحذر مكايد الشيطان، ويعرف أساليبه التى يتخذها، ليصرف الإنسان عن وظيفته الأولى فى هذه الحياة. فإذا زلّت به قدم، أو تورط فى الإثم، أو جانبه صواب، أو مارس شرًّا، أو اقترف معصية، أو ارتكب فجورًا.. فأمامه السبيل الذى رسمه له أبوه آدم من التوبة، واستئناف حياة أزكى وأطهر.. وبهذا يخلص الإنسان من سلطان الشيطان وسيطرته عليه. * مقاومة الشيطان: إن الله لم يذكر فى القرآن النفس الأمارة بالسوء، ولا النفس اللوامة إلا مرة واحدة، ولكنه ذكر الشيطان وكرر التحذير منه فى صور متنوعة، وما فعل ذلك إلا ليكون الإنسان منه على حذر، كى لا يضل، ولا يشقى؛ ذلك أن عمل الشيطان فى النفس مثل عمل الميكروب فى الجسم، والميكروب ينتهز فرصة ضعف الجسم فيهجم عليه محاولاً القضاء عليه والفتك به، ولا خلاص للجسم من عمل الميكروب إلا إذا كانت له حصانة، وفيه مناعة تبطل عمل الميكروب، وتقضى على ضراوته. وكذلك الشيطان ينتهز فرصة ضعف النفس ومرضها، فيهجم عليها محاولاً إفسادها. ولا خلاص منه إلا إذا صحت النفس من أمراضها، التى هى المداخل الحقيقية للشيطان ووسوسته. وأمراض النفس التى هى مداخل الشيطان هى نقائص الإنسان التى يجب عليه أن يتخلص منها حتى لا يكون للشيطان سبيل عليه، وهذه الأمراض أو هذه النقائص هى – على سبيل المثال لا الحصر( ) –: الضعف، واليأس، والقنوط، والبطر، والفرح، والعجب، والفخر، والظلم، والبغى، والجحود، والكنود، والعجلة، والطيش، والسفه، والبخل، والشح، والحرص، والجدل، والمراء، والشك، والريبة، والجهل، والغفلة، واللدد فى الخصومة، والغرور، والادعاء الكاذب، والهلع، والجزع، والمنع، والتمرد، والعناد، والطغيان، وتجاوز الحدود، وحب المال، والافتتان بالدنيا.. فهذه هى أمراض النفس، وبواسطتها يتدخل الشيطان ليدمر حياة الإنسان، وليزحزحه عن فضائله العليا، ولا سبيل إلى طرده ومعالجة وسوسته وإغرائه إلا إذا عولجت النفس أولاً عن طريق المجاهدة، حتى تبرأ من هذه الأمراض جميعها، وتعود إليها الصحة والعافية، وتكون نفسًا مطمئنة بالحق والخير. وحينئذ يكون ذكر الله، والاستعاذة به من الشيطان، والتبرى من الحول والقوة، وإسلام الوجه لقيوم السماوات والأرض، مما يقوّى من معنويات الإنسان ويرفع من مستواه الروحى، حتى يصل الإنسان إلى درجة يخاف فيها الشيطان من أن يلقاه فى طريق من الطرق، كما حدث لعمر بن الخطاب رضي الله عنه.. روى البخارى ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر: « وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكاً فَجًّا( )، إِلاَّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ ». إن سعادة الإنسان لا تتم إلا بكبح جماح النفس، والتغلب على هواها باتباع وحى الله، ومحاربة نزغات الشيطان. وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ( ). قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *مَلِكِ النَّاسِ *إِلَهِ النَّاسِ *مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ *الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ *مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ * ( ). * حكمة خلق إبليس: وقد يقال: لِمَ خلق الله إبليس يوسوس بالشر ؟ ويدعو إلى محادة الله، ومحاربة تعاليمه ؟ وقد أجاب عن ذلك بعض العلماء فقالوا أنه يظهر للعباد قدرة الله تعالى على خلق المتضادات المتقابلات، فخلق هذه الذات التى هى أخبث الذوات وسبب كل شر، فى مقابلة ذات جبريل عليه السلام التى هى من أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها، وهى سبب كل خير، فتبارك الله خلق هذا وهذا؛ كما ظهرت قدرته فى خلق الليل والنهار، والدواء والداء، والحياة والموت، والحسن والقبيح، والخير والشر.. وذلك من أدل دليل على كمال قدرته وعزته وملكه وسلطانه، فإنه خلق هذه المتضادات، وقابل بعضها ببعض، وجعلها مجال تصرفه وتدبيره، فخلو العالم عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته وكمال تصرفه وتدبير مملكته. ومنها ظهور آثار أسمائه القهرية مثل: القهار، والمنتقم، والعدل، والضار، والشديد العقاب، والسريع الحساب، وذى البطش الشديد، والخافض، والرافع، والمعز، والمذل؛ وأن هذه الأسماء والأفعال كمالات لابد من وجود متعلقها، ولو كان الجن والإنس على طبيعة الملائكة لم يظهر أثر هذه الأسماء. ومنها ظهور آثار أسمائه المتضمنة كلأه، وعفوه، ومغفرته، وستره، وتجاوزه عن حقه، وعتقه لمن يشاء من عبيده، فلولا خلق ما يكرهه من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأشياء لتعطلت هذه الحكم والفوائد، وقد أشار النبى صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله: « وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ »( ). ومنها ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة، فإنه الحكيم، الخبير، الذى يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشىء فى غير موضعه ولا ينزله فى غير منزلته التى يقتضيها كمال علمه، وتمام حكمته، فهو أعلم حيث يجعل رسالاته، وأعلم بمن يصلح لقبولها، ويشكر له جميل صنعه، وأعلم بمن لا يصلح لذلك، فلو قرر عدم الأسباب المكروهة لتعطلت حكم كثيرة، ولفاتت مصالح عديدة، ولو عطلت تلك الأسباب لما فيها من الشر لتعطل الخير الذى هو أعظم من الشر الذى فى تلك الأسباب، وهذا كالشمس والمطر والرياح التى فيها من المصالح ما هو أضعاف ما يحصل بها من الشر. ومنها حصول الطاعات المتنوعة التى لولا خلق إبليس لما حصلت، فإن طاعة الجهاد من أحب أنواع الطاعات، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه الطاعة وتوابعها من الموالاة لله تعالى والمعاداة فيه، وطاعة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ومخالفة الهوى وإيثار محاب الله تعالى، والتوبة، والاستغفار والصبر، والاستعاذة بالله أن يجيره من عدوّه، ويعصمه من كيده وأذاه، إلى غير ذلك من الحكم التى تعجز العقول عن إدراكها. |