الرئيسية | المنتدى | كتب إسلامية و مسيحية | الرافضة | المهتدون | دعويات | مرئيات | محاضرات | فلاشات | أذكار | أناشيد ومتون | القرآن الكريم | تجويد | شبهات وردود


  #1 (permalink)  
قديم 03-10-2008, 12:33 PM
الصورة الرمزية seaf
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
الدولة: القاهرة
المشاركات: 72
إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى seaf
افتراضي العقائد الإسلامية - القدر

 

القدر
* الله فاعل مختار.
* معنى القدر.
* وجوب الإيمان بالقدر.
* حرية الإنسان.
* الإسلام يقرر حرية الإرادة.
* بين مشيئة الرب ومشيئة العبد.
* الهداية والضلال.

* الله فاعل مختار:
الله سبحانه مالك الملك, يتصرف فيه بمقتضى حكمته ومشيئته, وكل تصرف منه إنما يجرى وفق مشيئته التى وضعها فى الكون, وقوانينه المضطردة فى الوجود.
 وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ( ).
وهو سبحانه لا يجب عليه شىء, ولا يتصرف من أجل أحد.
 قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( ).
أى أن الله أمر رسوله صلوات الله وسلامه عليه أن يقول فى الناس: إن الله سبحانه مالك الملك الحق, يعطى الملك لمن يشاء, وينزعه ممن يشاء بمقتضى سنن الله فى العطاء والأخذ, ويعز من يشاء بالتوفيق لأسباب العز, ويذل من يشاء بالخذلان.
وإنه سبحانه بيده الأمور كلها خيرها وشرها, فهو يعطى ويمنع, ويعز ويذل وينفع ويضر, لأنه القادرعلى كل شىء.. ومن مظاهر قدرته ما يشاهد فى الكون من إدخال الليل فى النهار, وإدخال النهار فى الليل ؛ وإخراج الحى من الميت, وإخراج الميت من الحى ؛ وأنه يفيض الرزق على من يشاء بغير حساب ولا رقابة ؛ لأن الأمر كله له وحده لا شريك له.
وهو الفاعل المختار.
 وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ( ).
فهو يخلق ويختار من خلقه ما يشاء ؛ لأنه المتصرف المطلق, وما كان لأحد الاختيار معه.
 وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ ( ).
فهو سبحانه يتصرف فى ملكه كيفما شاء بمقتضى الحكمة والرحمة.
فإذا مس الإنسان ضر, فلا يكشفه إلا الله, وإذا أراد الله خيرًا له, فلا يستطيع أحد رده عنه.
 مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( ).
 لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( ).
فملك السماوات والأرض له وحده ؛ وما يبديه الإنسان ويظهره, أو يخفيه ويكنه – من النوايا والإرادات والعزائم والمقاصد – يحاسبه به الله إن خيرًا فخير, وإن شرًا فشر, وهو يغفر لمن يشاء أن يغفر لهم, وقد بين سبحانه من يشاء لهم الغفران فى قوله:
 وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ( ).
فمغفرة الله لمن رجع إلى الله بالتوبة النصوح, وجدّد إيمانه بالله, وعمل العمل الصالح الذى يذهب بالسيئات, وبلغ منزلة الهداية التى يطمئن فيها القلب بالحق واليقين, كما أن عذابه سبحانه ينزل بالعصاة المستحقين له بمقتضى عدله وجزاء كل بعمله.
والإيمان بهذا, جزء من الإيمان بالله, ويتفرع عنه الإيمان بالقدر.
* معنى القدر:
جاء فى القرآن الكريم ذكر القدر مرارًا:
 وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ( ).
 وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ ( ).
 إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ( ).
والذى يؤخذ من مجموع هذه الآيات, أن المقصود بالقدر: هو النظام المحكم الذى وضعـه الله لهذا الوجود, والقوانين العامة, والسنن التى ربط الله بها الأسباب بمسبباتها.
وعرفه النووى فقال: « إن الله تبارك وتعالى قدر الأشياء فى القدم, وعلم سبحانه أنها ستقع فى أوقات معلومة عنده عزوجل وعلى صفات مخصوصة ؛ فهى تقع حسب ما قدرها «.
* وجوب الإيمان به:
وقد جاء فى الحديث الصحيح عن النبى صلى الله علية وسلم أن الإيمان بالقـدر جزء من العقيدة, ويكون المعنى أن الله خلق النواميس والقوانين والنظم التى وضعها لهذا الوجود, وأن الأشياء تجرى وتدور حسب هذه النظم والسنن والقوانين.
 وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( ).
ويكون الإيمان بالقدر جزءًا من عقيدة المسلم, وليس فيه معنى الإجبار.. قال الخطابى: « قد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله سبحانه العبد على ما قدره وقضاه.. وليس الأمر كما يتوهمون ؛ وإنما معناه الإخبار عن تقديم علم الله سبحانه بما يكون من اكتسابات العبد, وصدورها عن تقدير منه تعالى, وخلقه لها, خيرها وشرها.. والقدر اسم لما صدر مقدرًا عن فعل القادر «.
وعلم الله سبحانه بما سيقع, ووقوعه حسب هذا العلم لا تأثير له فى إرادة العبد, فإن العلم صفة انكشاف لا صفة تأثير ؛ فمثلاً علم الإنسان بأن ابنه ذكى مقبل على دروسه ومستوعب لها حفظًا وفهمًا, ليس له تأثير فى نجاحه.
* حكمة الإيمان بالقدر:
وحكمة ذلك: أن تنطلق قوى الإنسان وطاقاته لتعرف هذه السنن, ولتدرك هذه القوانين, وتعمل بمقتضاها فى البناء والتعمير, وفى استخراج كنوز الأرض والانتفاع بما أودع فى الكون من خيرات.
وبذلك يكون الإيمان بالقدر قوة باعثة على النشاط والعمل والإيجابية فى الحياة, كما أن الإيمان بالقدر يربط الإنسان برب هذا الوجود, فيرفع من نفسه إلى معالى الأمـور: من الإباء والشجاعة والقـوة, من أجل إحقاق الحق, والقيام بالواجب.
والإيمان بالقدر يُرى الإنسان أن كل شىء فى الوجود إنما يسير وفق حكمة عليا, فإذا مسّه الضر فإنه لا يجزع, وإذا صادفه التوفيق والنجاح فإنه لا يفرح ولا يبطر, وإذا برئ الإنسان من الجزع عند الإخفاق والفشل, ومن الفرح والبطـر عند التوفيق والنجاح, كان إنسانًا سويًا متزنًا, بالغ منتهى السمو والرفعة, وهذا هو معنى قول الله سبحانه:
 مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ( ).
هذا ما ينبغى أن نفهمه من القدر ؛ وهو مقتضى فهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه, وفهم أصحابه رضى الله عنهم أجمعين.
وقد دخل رسول الله صلى الله علية وسلم يومًا على الإمام علىّ كرم الله وجهه بعد صلاة العشاء, فوجده قد بكر بالنوم, فقال له: « هلا قُمت من الليل ؟ » فقال: يا رسول الله, أنفسنا بيد الله, إن شاء بسطها, وإن شاء قبضها.. فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج وهو يضرف على فخذه ويقول: «  وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ( ) ».
وسرق أحد اللصوص, فلما حضر بين يدى عمر رضى الله عنه سأله: « لِمَ سرقت ؟ « فقال: قدّر الله ذلك, فقال عمر رضى الله عنه : « اضربوه ثلاثين سوطًا, ثم اقطعوا يده «, فقيل له: ولِمَ ؟ فقال: « يقطع لسرقته, ويضرب لكذبه على الله «.
إن القدر لا يتخذ سبيلاً إلى التواكل, ولا ذريعة إلى المعاصى, ولا طريقًا إلى القول بالجبر ؛ وإنما يجب أن يتخذ سبيلاً إلى تحقيق الغايات الكبرى من جلائل الأعمال.. إن القدر يُدْفَع بالقدر, فيدفع قدر الجوع بقد الأكل, وقدر الظمأ بقدر الرىّ, وقدر المرض بقدر العلاج والصحة, وقدر الكسل بقدر النشاط والعمل.
ويُذكر أن أبا عبيدة بن الجراح قال لعمر بن الخطاب رضى الله عنه حينما فرّ من الطاعون: أتفر من قدر الله ؟ قال: « نعم أفر من قدر الله إلى قدر الله «, أى يفر من قدر المرض والوباء إلى قدر الصحة والعافية.. ثم ضرب له مثلاً بالأرض الجدباء, والأرض الخصبة, وأنه إذا انتقل من الأرض الجدباء إلى الأرض الخصبة لترعى فيها إبله, فإنه ينتقل من قدر إلى قدر.
لقد كان يمكن للرسول وصحابته أن يستكينوا كما يستكين الضعفاء الواهنون, معللين أنفسهم بالفهم المغلوط الذى يتعلل به الفاشلون, ولكنه جاء يكشف عن وجه الصواب فلم يهن, ولم يضعف, واستعان بالقدر على تحقيق رسالته الكبرى, ملتزمًا سنة الله فى نصره لعباده.
فقاوم الفقر بالعمل, وقاوم الجهل بالعلم, وقاوم المرض بالعلاج, وقاوم الكفر والمعاصى بالجهاد, وكان يستعيذ بالله من الهم والحزن, والعجز والكسل.
وما غزواته المظفرة إلا مظهر من مظاهر إرادته العليا التى تجرى حسب مشيئة الله وقدره.
وقد حذر رسول الله صلى الله علية وسلم من أن يفهم فهمًا خاطئًا, ودعا إلى مجاهدة من يرى هذا الفهم الخطأ.
فقد روى عن جابر رضى الله عنه عن النبى صلى الله علية وسلم أنه قال: « يكون فى آخر الزمان قوم يعملون المعاصى, ثم يقولون: الله قدّرها علينا, الرّادّ عليهم يومئذ كالشاهر سيفه فى سبيل الله ».
هذا هو القدْر الذى ينبغى أن نعرفه عن القدَر, وما وراء هذه المعرفة عنه فلا يحل لنا البحث فيه ولا التنازع فى شأنه ؛ فإن هذا من أسرار الله التى لا تحيط بها العقول, ولا تدركها الأفكار.
فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله علية وسلم ونحن نتنازع فى القدر, فغضب حتى احمر وجهه, وقال: « أبهذا أرسلت إليكم ؟ إنما هلك من قبلكم حين تنازعوا فى هذا الأمر, عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه ».
وفى هذا يقول صلى الله علية وسلم لمن سأله فى مثل هذا: طريق مظلم لا نسلكه, كرر عليه السؤال فقال: بحر عميق لا تمجه, كرر عليه السؤال فقال: سر الله قد خفى عليك فلا تفشه.. فمثل هذا النهى إنما ينصب على السؤال عن نظام الله فى الحياة والموت, وبسط الرزق وضيقه, وهكذا.. لا على الكلام فى القدر نفسه.
* حرية الإنسان:
منذ أقدم العصور, أخذ الإنسان يفكر فى نفسه, وفى الكون المحيط به, وكانت حرية الإنسان إحدى القضايا التى تناولها عقله, وشغلت حيزًا كبيرًا من تفكيره, ولا تزال هذه القضية إلى يومنا هذا مثار جدل ومناقشة بين المفكرين والفلاسفة, ولا يزال اهتمامهم بها اهتمامًا بالغًا, إذ أنها قضية تتعلق بحياة الإنسان, وتتصل بمصيره, فهو يبحث فيها, ويكد, ويجد فى البحث, علّه يهتدى إلى الحـل الصحيح, كى يرسم لنفسه السلوك على ضـوء الحل الذى يهتدى إليه.
وبدهى أن الإنسان حينما حال الكشف عن وجه الصواب فى هذه القضية, وأراد البحث فيها, لم يجعل ميدان بحثه الأعمال الخارجة عن إرادته واختياره, ككونه أبيض, أو أسود ؛ وككونه وُلد من هذا الوالد, أو ذاك ؛ وكنبضات قلبه ؛ وتنفسه ؛ وجريان الدم فى عروقه.. فإن هذه الأشياء خارجة عن نطاق البحث, لأن الإنسان لا اختيار له فيها, وهى غير خاضعة لإرادته.
وإنما اتجه الإنسان وهو بصدد البحث فى هذه القضية إلى الأعمال الإدارية التى تدخل فى نطاق الإرادة والاختيار, ومدى حريته فى ممارسة هذه الأعمال, مثل خروجه من البيت ؛ واتخاذه طعامًا معينًا ؛ ولبسه نوعًا من الملابس ؛ وتفضيله لونًا من العلم, أو الكتابة ؛ وممارسته حرفة من الحرف ؛ وزيارته لغيره وهكذا فى كل عمل من الأعمال الاختيارية.
وقد اختلفت الأنظار, وتضاربت الأفكار تضاربًا كادت تضيع معه معالم الحق.
فمن قائل بأن الإنسان مسيّر( ) غير مخيّر, ومجبر على ممارسة نشاطه الاختيارى, وأنه كالريشة فى مهب الريح تتقاذفها ذات اليمن وذات الشمال.
ومن قائل بأن الإنسان مخيّر( ) غير مسيّر, ,انه يمارس أعماله الاختيارية بمحض إرادته ومشيئته.
ومن قائل بأن الإنسان ليس له من أعماله إلا الكسب( ), أى أن الله يخلق الشىء عند مباشرته, أى أن الله يخلق الشبع عند الأكل, ويخلق المعرفة عند الدراسة, وهكذا.. وليس للعبد إلا الكسب, وبه يصح التكليف والثواب والعقاب والمدح والذم.
والذى نراه فى هذه القضية, ونختاره هو ما قرره الإسلام فيما يلى:
* تقرير الإسلام حرية الإرادة:
قرر الإسلام أن الإنسان خلق مزودًا بقوى وملكات واستعدادات, وهذه القوى يمكن أن توجه إلى الخير, كما يمكن أن توجه إلى الشر ؛ فهى ليست خيرًا محضًا ولا شرًا محضًا, وإن كانت إرادة الخير فى بعض الناس أقوى, وإرادة الشر فى البعض الآخـر أقوى, وبينهما تفاوت لا يعلمه إلا الله.. وفى الحديث الصحيح: « كل مولود يولد على الفطرة ».
وفى الحديث أيضًا: « الناس معادن كمعادن الذهب والفضة, خيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا.. ».
ويؤيد هذا قول الله عزوجل:  وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ( ).
أى أن الله خلق النفس مسوّاة ومُعتدلة قابلة للتقوى والفجـور, ومستعدة للخير والشر.
والله سبحانه زود الإنسان بالعقل الذى يميز به بين الحق والباطل فى العقائد, وبين الخير والشر فى الأفعال, وبين الصدق والكذب فى الأقوال.
وأعطاه القدر التى يستطيع بها أن يحق الحق ويبطل الباطل, وأن يأتى الخير ويدع الشر, وأن يقول الصدق ويجانب الكذب, ورسم له منهج الحق والخير والصدق بما أنزل من كتب, وبما أرسل من رسل, ومادام العقل المميز موجودًا والقدرة على الفعل صالحة, والمنهج المرسوم واضحًا, فقد ثبت للإنسان حرية الإرادة, واختيار الفعل.
وعلى الإنسان أن ويجه قواه إلى ما يختاره لنفسه من حق أو باطل, ومن خير أو شر, ومن صدق أو كذب.
وفى القرآن الكريم يقول الله سبحانه:
 إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ( ).
أى هديناه وأرشدناه إلى طريق الحق والباطل, والخير والشر, والصدق والكذب, فهو إما يسلك السبيل الأهدى, فيكون شاكرًا, أو الطريق المعوج, فيكون كفورًا.
وفى هذا المعنى أيضًا يقول القرآن الكريم:
 وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ( ) ؛ أى الطريقين.
وكل إنسان مسئول عن تهذيب نفسه وإصلاحها, حتى تصل إلى كمالها المقدّر لها, فإن إصلاحها وتزكيتها وتنميتها بالعلم النافع والعمل الصالح, هو سبيل فلاحها وفوزها برضا الله, والقرب من مشاهدة جلاله وجماله, كما أن إهمالها هو السبيل إلى خيبتها وخسرانها.
 قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ( ).
 بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ( ).
 كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ( ).
 كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ( ).
والآيات التى تقرر حرية الإنسان كثيرة جدًا, منها قول الله عزوجل:
 مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( ).
فأسند العمل الصالح والعمل السىء إلى الإنسان, ولو لم يكن الإنسان حرًا ما أسند إليه الفعل.
وفى موضع آخر من القرآن الكريم يقول الله سبحانه:
 وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ( ).
أى أن الشرور التى تعرض للإنسان إنما هى أثر من آثار عمله ونتاج اختياره وتصرفه.
وإن القرآن الكريم ليتحدث عن المفاسد والجرائم التى تحيط بالناس, فيبين أنها ليست من صنع الله, وإنما هى من عمل البشر.
 ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( ).
وهذا الذى يُقرره القرآن الكريم, هو ما يشعر به الإنسان من نفسه, فهو يشعر بأنه يمارس أعماله الإرادية بمحض إرادته واختياره, فهو يفعل منها ما يشاء, ويدع منها ما يشاء, وهو إذا فعل منها ما هو نافع استحق المدح, وإذا فعل ما هو ضار استوجب الذم, فلو لم يكن مختارًا لَمَا توجه إليه المدح على فعل ما هو نافع, ولَمَا توجه له الذم على فعل ما هو ضار.
بل لو لم يكن الإنسان مختارًا لَمَا كان ثمّة فرق بين المحسن والمسىء, إذ أن كلاً منهما مُجْبر على ما يفعله ؛ ولبطل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر, إذ لا فائدة لهما, حيث إن الإنسان مسلوب الإرادة ؛ ولَمَا كان ثمّة معنى لتكليف الله للعباد, لأن تكليفه إياهم مع سلب اختيارهم هو منتهى الظلم الذى يتنزه الله عنه, ويكون الأمر كما قال القائل:
ألقـاه فـى اليم مكتـوفًا وقـال له  إيـاك إيـاك أن تَبْتَــلّ بالمــاء
بل لو كان الإنسان مُسيّرًا لضاعت فائدة القوانين, ولبطل الجزاء من الثواب والعقاب.
وقد أراد المشركون أن يَحْتجّوا بمشيئة الله على شركهم ؛ وأنه لو لم يشأ أن يكونوا مشركين لَمَا كانوا كذلك, فأبطل الله حجتهم ودَحَضها بقوله:
 سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ( ).
فالقرآن الكريم يرد على المشركين من وجهين:
الوجه الأول: أن الله أذاق الكافرين الأول بأسه, وأنزل بهم عقابه, فلو لم يكونوا مختارين للجرائم والمآثم, والكفر والشرك لَمَا عذبهم الله, لأن الله عادل لا يظلم مثقال ذرة.
والوجه الثانى: أنهم زعموا ذلك عن جهل بالله, وجهل بدينه, وأنهم ليس عندهم من علم يمكن أن يستند إليه, ويرجع إليه, وإنما كفرهم هذا تمرد على دينه وافتيات على الحق الذى أنزله على ألسنة الرسل.
وإذا كان الله قد عذب الأمم السابقة على كفرها, وإذا كان المشركون ليس لهم من حجة يحتجون بها, فقد تقرر أن دعوى المشركين دعوى ظنية لا تقوم عليها حجة, ولا ينهض بها دليل.
وبذلك قامت حجة الله البالغة على هؤلاء, ولو شاء الله لأجبرهم على الهداية وإذن فلن يكونوا حينئذ من البشر, لأن البشر فطر على الحرية والاختيار.
* مشيئة الرب ومشيئة العبد:
وقد يقال: إذا كان الله منح العبد الحرية والاختيار فما معنى قوله:
 لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( ).
فنقول: معناها أن الإنسان لا يشاء شيئًا إلا إذا كان فى حدود مشيئة الله وإرادته, فمشيئة البشر ليست مشيئة مستقلة عن مشيئة الله, والله قد شاء للإنسان أن يختار أحد الطريقين: طريق الهداية, أو طريق الضلالة.
فإذا اختار الطريق الأول, ففى نطاق المشيئة الإلهية, وإذا اختار الطريق الثانى ففى نطاقها أيضًا.
وكل الآيات التى جاءت على هذا النحو فمعناها لا يتعدى ما ذكرناه.
* الهداية والإضلال:
وقد يقال أيضًا: لقد جاء فى القرآن الكريم:
 يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ( ).
أى أن الله يضل من يشاء إضلاله, وهيدى من يشاء هدايته, وإذا كان الله يضل ويهدى, فليس للعبد حرية الاختيار, والواقع أن الهداية والإضلال نتائج لمقدمات, ومسببات لأسباب.
فكما أن الطعام يغذى, والماء يروى, والسكين تقطع, والنار تحرق.
فكذلك هناك أسباب توصل إلى الهداية, وأسباب توصل إلى الضلال.
فالهداية إنما ثمار عمل صالح.
والضلال إنما هو نتائج عمل قبيح.
فإسناد الهداية والإضلال إلى الله من حيث إنه وضع نظام الأسباب والمسببات لا أنه أجبر الإنسان على الضلال أو الهداية.
وحينما نرجع إلى الآيات القرآنية نجد هذا المعنى بيّنًا وواضحًا, لا لبس فيه ولا غموض, فالله يقول:
 وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ( ).
 وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ( ).
 وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ( ).
فهداية الله للناس بمعنى لطفه بهم, وتوفيقهم للعمل الصالح, إنما هى ثمرة جهاد للنفس وإنابة إلى الله, واستمساك بإرشاده ووحيه.
ويقول القرآن الكريم فى الإضلال:
 يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( ).
 يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ( ).
 كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ( ).
 فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ( ).
 كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( ).
 بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( ).
فنرى من هذه الآيات أن سبب الإضلال هو الزيغ, والخروج عن تعاليم الله والكبر, والجبروت, والتعالى على الناس بغير حق, ونقض عهد الله, وقطع ما أمر الله به أن يوصل, ووصل ما أمر الله به أن يقطع, والفساد فى الأرض, والكفر واقتراف الآثام.
فهذه هى الأسباب التى أضلت الناس, وأخرجتهم عن منهج الحق لأنهم آثروا العمى على الهدى, واستحبوا الظلام على النور, فكان أن كافأهم الله فأصمهم, وأعمى أبصارهم بمقتضى نظامه فى ارتباط الأسباب بمسبباتها.
وهذا ونحوه كثير فى كتاب الله, ومنه:
 وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ( ).
فهؤلاء أهملوا منافذ العلم والعرفان وعطلوها عما خلقت له, فلم يصل إليها نور الحق.
فقلوبهم غلف لا تعقل عن الله وحيه, وعيونهم عمى لا ترى الله فى ملكوته, وآذانهم صم لا تسمع آيات الله, فهم مثل الأنعام التى لا تنتفع بحواسها الظاهرة والباطنة, بل أضل من الأنعام, إذ الأنعام لم تزود بما زُوّد به الإنسان من قوى نفسية وعقلية وروحية.

رد مع اقتباس
رد



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة
الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
العقائد الإسلامية - الكتب السماوية seaf العقيدة 0 03-10-2008 12:39 PM
العقائد الإسلامية - الجن seaf العقيدة 0 03-10-2008 12:37 PM
العقائد الإسلامية - الملائكة seaf العقيدة 0 03-10-2008 12:35 PM
العقائد الإسلامية - صفات الله seaf العقيدة 0 03-10-2008 12:28 PM
العقائد الإسلامية - المقدمة armoosh العقيدة 1 12-07-2007 10:03 PM


الساعة الآن: 10:43 PM




بحث عن:

Powered by vBulletin® eld3wah.com

المقالات الواردة في المنتدى لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأى الموقع أو إدارة المنتدى وإنما فقط عن رأى كاتبها

 

 

 
 

[حجم الصفحة الأصلي: 78.57 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 75.80 كيلو بايت... تم توفير 2.77 كيلو بايت...بمعدل (3.53%)]

SEO by vBSEO 3.1.0