
____________________ الوجيز في علوم الحديث الدكتور الخشوعي محمد الخشوعيتمهيد - تقسيم علم الحديث :
ينقسم علم الحديث إلى قسمين :
1. علم الحديث رواية | 2. علم الحديث دراية |
ذلك لأن الباحث في السنة النبوية يبحث عن أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته وصفاته الخلقية , وهذه مباحث علم الحديث رواية .
كما أنه يبحث عن الراوي والمروي من حيث القبول والرد وغير ذلك من مباحث علم الحديث دراية .
أولاً : علم الحديث رواية :
تعريف علم الحديث رواية هو علم يشتمل على نقل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقية أو خُلُُقية , حقيقة أو حكماً حتى الحركات والسكنات في اليقظة والمنام , وكذا سيرته صلى الله عليه وسلم سواء كان ذلك قبل البعثة أو بعدها , وكذا ما أضيف إلى الصحابة والتابعين من قول أو فعل .
أول من صنف علم الحديث رواية هو الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري , ولد سنة خمسين وتوفى سنة خمس وعشرين ومائة .
فحين وجه الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز أمره إلى ولاته بتدوين السنة تدويناً رسمياً على رأس المائة الأولى للهجرة , كان أول المبادرين إلى تنفيذ هذا الأمر هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري , وهذا التدوين الرسمي , أما التدوين الفردي الخاص قد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما ستعرف ذلك في موضعه إن شاء الله .
ثانياً : علم الحديث دراية :
تعريف علم الحديث دراية علم الحديث دراية هو علم يعرف به حال الراوي والمروي من حيث القبول والرد وما يتبع ذلك .
أول من ألف في هذا العلم كانت مسائل هذا العلم منتشرة في كتب السنة المطهرة , فلم تفصل أبحاث هذا العلم عن علم الحديث رواية ولم تفرد بالتأليف في مؤلف خاص إلى أن جاء أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي المتوفى سنة ستين وثلاثمائة , فأفرد بالتصنيف وأفرد أبحاثه عن علم الحديث رواية وذلك في كتابه " المحدث الفاصل بين الراوي والواعي " قال بن حجر : لكنه لم يستوعب , وقال : وإن كان يوجد قبله مصنفات مفردة في أشياء من فنونه , لكن هذا أجمع في ذلك في زمانه ثم توسعوا فيه .
لمحة عن تاريخ علم الحديث دراية نشأ هذا العلم كغيره من العلوم الأخرى , حيث ولد صغيراً ثم مر بمراحل النمو المختلفة حتى وصل إلى مرحلة الكمال والازدهار . لقد كانت قواعد هذا العلم ومباحثه موزعة ومنتشرة في كتب السنة وغيرها من كتب التاريخ الخاصة بالرجال , فكان العلماء يتعرضون لمباحث هذا العلم في كتبهم بحسب المناسبة وما تدعو إليه الحاجة .
• لقد تعرض الإمام محمد بن إدريس الشافعي المتوفى 204هـ لبعض مباحث هذا العلم في كتابه " الرسالة " وفي ثنايا كتاب " الأم " واختلاف الحديث .
• كما تكلم الإمام أحمد بن محمد بن حنبل المتوفى 241هـ عن مباحث هذا العلم , وقام تلامذته بتسجيل ما دار بينهم وبينه من أسئلة ومحاورات في مباحث هذا العلم , كما تكلم كثير من طبقة الإمام أحمد كـ يحيى بن معين المتوفى 233هـ وغيره .
• كما تكلم الإمام محمد بن إسماعيل البخاري المتوفى 256هـ عن مباحث هذا العلم في كتب التاريخ التي ألفها " التاريخ الكبير , التاريخ الأوسط , التاريخ الصغير " وغيرها .
• كما تعرض الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري المتوفى 261هـ لمباحث هذا العلم في مقدمة كتابه " الجامع الصحيح " وغيره من كتبه ومؤلفاته .
• كما تكلم في مباحث هذا العلم الإمام عبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي المتوفى 264هـ .
• كما كتب الإمام سليمان بن الأشعت أبو داود السجستاني المتوفى 275هـ رسالة وجهها إلى أهل مكة بيّن فيها طريقته في كتابه " السنن " .
• كما تكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً وتحدث عن المتون الإمام الجليل محمد بن إدريس أبو حاتم الرازي المتوفى 277هـ وقام ابنه بتسجيل ما قال أبوه في الرجال في كتابه " الجرح والتعديل " .
• كما تعرض الإمام محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي المتوفى 279هـ لمباحث هذا العلم في كتابه " علل الحديث " الذي ألحقه بآخر كتابه المعروف بـ " سنن الترمذي " كما تعرض في أثناء كتابه " السنن " للحكم على الأحاديث من تصحيح وتحسين وتضعيف وغير ذلك .
• كما تكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً , وفي نقد المتون الإمام أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي المتوفى 303هـ .
وهكذا مر القرن الثالث الهجري - وهو آخر عصر الرواية - ومباحث علوم الحديث دراية منتشرة في كتب الحديث وكتب التاريخ الخاصة بتراجم الرواة وغيرها . فلم تجمع في كتاب واحد مستقل , بل ظلت مختلطة بعلم الحديث رواية , غير أن هذه المباحث نشأت مع علم الحديث رواية ودونت معه , ولما دونت السنة المطهرة بأمر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الثانية , وجمعت السنة في الحجاز والشام ومصر والعراق واليمن والري وخرسان , واختلف العلماء في كيفية جمعها وصورة تأليفها وانتقائها وترتيبها , وكان لكل طبقة ترتيب خاص .
ووجد في تلك المصنفات أقوال العلماء في الإسناد , كما جمع ما بها من اصطلحات المتقدمين فيما يتعلق بالأسانيد والمتون , وجمع معها ما دار بين العلماء في مجالسهم وجدلهم ومناظراتهم , ولما ظهر من الرواة صفات وأحوال لها مدخل في التعديل والتجريح , اتسع النظر فيها , وتتابعت الأفكار , وانتحى العلماء الفرز والاختيار , والتخصص والابتكار , والتنسيق , فتعمق البحث , ونخل الحديث , وامتاز صحيحه من سقيمه .
وألفت في أنواع علومه مؤلفات , فألفت في أحوال الإسناد في الرجال , كتب التاريخ والطبقات , والوفيات ومعرفة الوحدان ورواية الأكابر من الأصاغر , وأصناف المدلسين والكذابين , وفي أحوال الخبر , وكتب " العلل " و " ألفاظ مراتب القبول والرد " و " تفسير ألفاظ الجرح والتعديل من الحفاظ والمحدثين " , وتعددت أنواع علم أصول الحديث , حتى أنه نقل عن ابن الملقن أن أنواعه تزيد على المائتين , وبلغ أبو حاتم ان حبان في تقسيم الضعيف منه خمسين قسماً إلا واحداً .
وابتدأ ذلك التدوين في أبواب , وبعض أنواع منه , أثناء المائة الثالثة . فلما كانت المائة الرابعة , وفيها نضجت العلوم , واستقر الإصطلاح , قام القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي المتوفى 360هـ بتأليف كتابه " المحدث الفاصل بين الراوي والواعي " فجمع في ذلك الكتاب كثيراً من أنواع علم الحديث دراية .
قال الحافظ ابن حجر : لكنه لم يستوعب وإن كان يوجد قبله مصنفات مفردة في أشياء من فنونه , لكن هذا أجمع في ذلك في زمانه ثم توسعوا فيه , وبذلك يكون أول من أفرد هذا العلم بالتصنيف والجمع هو الرامهرمزي , حيث جمع أبحاثه في مصنف خاص .
ثم جاء بعد الرامهرمزي الحاكم أبو عبد الله النيسابوري محمد بن عبد الله المتوفى 405هـ فألف كتابه " معرفة علوم الحديث " وذكر فيه خمسين نوعاً , ولم يستوعب ولم يهذب كما قال ابن حجر .
ثم جاء أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني المتوفى 430هـ فعمل كتاب الحاكم مستخرِجاً , وأبقى أشياء للمتعقب .
ثم جاء بعدهم الخطيب البغدادي أبو بكر أحمد بن علي المتوفى 463هـ فصنف في قوانين الرواية كتاباً أسماه " الكفاية في قوانين الرواية " وصنف في آداب الرواية كتابه " الجامع لآداب الشيخ والسامع " وقل فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتاباً مفرداً , فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة : كل من أصنف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه .
ثم جاء القاضي عياض بن موسى اليحصبي المتوفى 544هـ فجمع في ذلك كتابه " الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع " .
ثم أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانجي المتوفى 580هـ فجمع في ذلك جزءاً سماه " ما لا يسع المحدث جهله " .
وبعد كل هؤلاء وغيرهم , جاء أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري المتوفى 643هـ فصنف كتابه " علوم الحديث " المشتهر بمقدمة ابن الصلاح , لما تولى تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية , وجمع فيه ما تفرق في غيره من كتب الخطيب وغيره , وذكر فيه خمسة وستين نوعاً , وأملاه شيئاً بعد شيء , ولهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المناسب , ولكثرة جمعه وتحريره انتشر واشتهر فعكف عليه العلماء بالدرس والاختصار والشرح والنظم والمعارضة والانتصار , وأصبح العمدة لمن جاء بعده .
جهود العلماء حول مقدمة ابن صلاح :
لقد عكف العلماء على مقدمة ابن الصلاح بين شارح وناظم ومختصر , فشرح مقدمة ابن الصلاح الزين العراقي المتوفى 708هـ في كتابه " التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن صلاح " .
وشرحها الحافظ بن علي المعروف بأبن حجر العسقلاني المتوفى 852هـ في كتابه " الإفصاح عن نكت إبن صلاح " .
واختصرها الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النواوي المتوفى 676هـ في كتابه " الإرشاد " ثم اختصر " الإرشاد " في كتاب " التقريب " .
وقام بشرح " التقريب " للإمام النووي الإمام جلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى 911هـ في كتابه " تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي " .
واختصرها بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني المتوفى 733هـ في كتابه " المنهل الروي في الحديث النبوي " .
وشرح كتاب " المنهل الروي " عز الدين محمد بن أبي بكر بن جماعة المتوفى 819هـ في كتابه " المنهج السوي في شرح المنهل الروي " وصاحب هذا الشرح سبط محمد بن إبراهيم بن جماعة .
كما اختصر مقدمة بن صلاح الحافظ إسماعيل بن كثير الشافعي المتوفى 774هـ في كتاب " إختصار علوم الحديث " والمطبوع بعنوان " الباعث الحثيث " وقام بشرح " الباعث الحثيث " لابن كثير العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر في كتابه " الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث " .
كما اختصر مقدمة ابن الصلاح الزين العراقي عبد الرحيم بن الحسين المتوفى 806هـ في ألفيته " نظم الدرر في علم الأثر " وزاد في ألفيته على كتاب إبن الصلاح وشرحها بشرحين مطول ومختصر , والمختصر طبع باسم " فتح المغيث بشرح ألفية الحديث " .
كما شرح ألفية العراقي الإمام شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي المتوفى 902هـ في كتابه " فتح المغيث في شرح ألفية الحديث " وهو أوفى شروحها .
كما شرحها الشيخ زكريا الأنصاري المتوفى 928هـ في كتابه " فتح الباقي بشرح ألفية العراقي " .
وللحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى 911هـ ألفية عارض بها ألفية الحافظ العراقي , جمع فيها زيادات كثيرة عليها , ونظمها في خمسة أيام كما ذكره في آخرها , وهي أجمع منظومة في علم المصطلح , وشرحها السيوطي في كتابه " البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر " ولم يتم .
وشرحها محمد محفوظ بن عبد الله الترمسي في شرح أتم تأليفه سنة 1329هـ بمكة المكرمة وسماه " منهج ذوي النظر في شرح منظومة علم الأثر " .
ومن أنفع الكتب المختصرة في هذا العلم " نخبة الفكر في مصطلح علم الأثر " للحافظ بن حجر العسقلاني , وقد شرحها ابن حجر في كتابه " نزهة النظر " كما شرح " نخبة الفكر " لابن حجر الشيخ عبد الرءوف المناوي المتوفى 1031هـ في كتابه " اليواقيت والدرر في شرح نخبة الأثر " .
ومن الكتب الجامعة المحررة : كتاب " تنقيح الأنظار " لمحمد بن إبراهيم المعروف بابن الوزير الزبيدي المتوفى 840هـ .
وقام بشرح هذا الكتاب محمد بن إسماعيل المعروف بالأمير الصنعاني صاحب " سبل السلام " المتوفى 1182هـ في كتابه " توضيح الأفكار " .
إلى غير ذلك من الكتب والشروح التي ألفت في علم الحديث دراية قديماً وحديثاً , والتي أمسكنا عن ذكرها خشية الإطالة .
وبالله التوفيق ,,
