| تمهيد - الحاجة إلى الدعوة ____________________ كتاب عُدَّة الداعية للدكتور فرج محمد الوصيفتمهيد - الحاجة إلى الدعوة : ثانياً : الحاجة إلى الدعوة : الحاجة إلى الدعوة ضرورية لأمور كثيرة منها : 1- عجز العقول البشرية عن إدراك المصالح , فالله عز وجل خلق الإنسان في أحسن تقويم وركبه في أحسن صورة وكرمه وعظمه , وعلى كثير من خلقه فضله ورفعه , وكرمه بالفكر والعقل , يمييز به الحسن من القبيح , ويفرق بين الحق والباطل , ولكن العقول البشرية وحدها لا تستقل بإدراك المصالح الدنيوية فضلاً عن الأخروية , ولا تهتدي وحدها إلى تمييز الخير من الشر , والمعروف من المنكر , وليس من من غرائزها الوقوف على حقائق الأمور , ولا أن تدبر شؤنها على نظام محكم عادل لا خلل فيه ولا انحراف , فإنها - وإن وصلت إلى الغاية القصوى من الإدراك - قد تميل عن الحق إلى الباطل , وتنحرف عن الصلاح إلى الفساد , ويخفى عليها وجه المصلحة , ولا تهتدي إلى مغبة الأعمال , وكثيراً ما يبدو لها الشر في لباس الخير فتقع فيه , وكثيراً ما ظهر لها الخير في صورة الشر فأعرضت عنه (1) . 2- تغلب الأهواء والشهوات على العقول , وإن اهتدد العقول البشرية إلى إدراك الخير أو الشر فقد تتغلب عليها الشهوات , أو يشتد بها الغضب والحسد , فيصرفها ذلك عن المنافع , أو تقع في الضار (2) . 3- اختلاف المدارك والميول , وإن خلصت العقول من أسر الشهوات أو تسلط الغضب والحسد , فقد لا تسلم من غوائل الخلاف والنزاع , لاختلاف المدارك والمشارب في أصل الفطرة والجبلة , فترى الإنسان يستحسن عين ما يستقبحه غيره , بل الإنسان الواحد قد يظهر له الشئ حسناً في وقت , فإذا لم لائم غرضه في وقت آخر عده قبيحاً , وكثيراً ما يكون الشئ الواحد مشتملاً على مصلحة ومفسدة , فيحب إنسان جلب مصلحته , فيبادر إليه ويميل آخر إلى درء مفسدة فيفر منه . فلما كانت العقول البشرية قاصرة عن إدراك مصالحها في هذه الحياة , وعاجزة عن الاطلاع على الحقائق , وكانت عرضة لتغلب الأهواء والشهوات وما إليها من الرذائل النفسية عليها , وكان من طبائعها اختلاف المدارك والميول , لما كانت كذلك اشتدت حاجة البشر إلى الهداة المصلحين , والدعاة الناصحين , يعلمونهم ما شاء الله أن يصلح به معاشهم ومعادهم , ويدعونهم إلى ما فيه الخير والسعادة (3) . يقول الشيخ محمد الغزالي : " الناس لا يستغنون عن رزق الله ولا عن هدايته , هم فقراء إليه فيما يطعم أبدانهم من جوع , وفيما يزكي أرواحهم من كدر , ومهما أوتي بعضهم من ذكاء أو صفاء , فإنه لن يستطيع تدبير شأنه وإصلاح أمره بعيداً عن وحي الله وتعليم أبنائه , إن مواهب الإنسان المادية والأدبية كبيرة , وربما مرت به أوقات يحس فيها أنه بحسبه ما وصل إليه تفكيره , وأسعفته قواه , بيده أن هذا الغرور لن يجر في عواقبه إلا الشر , وسيكدح الإنسان ويمضي وحده محروماً من عناية السماء , ثم يلتفت إلى مكاسبه بعد ما جرى شوطاً طويلاً , فلا يرى شيئاً , بل سيرى أن جهوده التي ذهل فيها عن ربه كانت عليه وبالاً : إذا لم يكن عون من الله للفتى | فأول ما يجنى عليه اجتهاده |
ولعل مصداق ذلك حال العالم من نصف قرن , إنه يتقلب بين فلسفات شتى , بعضها ينكر الله أصلاً والبعض الآخر يسيء معرفته ويغلب هواه على وحيه , فماذا جنى العالم من جحده للألوهية أو جهله بحقيقتها وحقوقها ؟ شقاء يرجم العالم بالدماء في أيام الحروب , ويرجمه بالقلق في أيام السلام , فهو بين الحروب الباردة والساخنة محطوم الأعصاب , فارغ الفؤاد , وقد يكون هناك فريق من البشر ميسر اللذائذ مفلت الزمام , يرتع في الدنيا مثلما ترتع الأنعام في الربيع ! , فأي شيء هذا ؟ عجول تُسَمّن للذبح !! , فإما أعطيتها فتن الحياة التي ارتكست فيها , وإما أخر لها جزاؤها في جهنم , فهي هنالك تدعو ثبوراً وتصلى سعيراً , إن الحاجة إلى وحي الله وقيادة المرسلين لا تنقطع أبداً . " (4) 4- واقع المسلمين المر , الناظر في حال البشرية بعامة وحال المسلمين بخاصة يرى فساداً وصلوا به إلى درك سحيق , وصدق الله إذ يقول : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } الروم 41 , لقد استشرى الفساد في كل ناحية من نواحي الحياة وتخلل الإحتلال كل خلية من خلايا الحياة البشرية , واستعملت كل أنواع الأسلحة لحرب الإسلام . (أ) ففي الحياة الإجتماعية : دخل الهدم البيت وهو اللبنة الأولى في المجتمع , وزج بالمرأة في جحيم الشقاء تحت شعارات خادعة براقة بدعوى التحرير من عصور الظلام - ويقصدون بذلك الإسلام - ثم بيعت سلعة رخيصة , وقدمت قرباناً زهيداً على مذابح شهوات الصهيونية العالمية والصليبية العالمية . فمن لواء تحرير المرأة الذي رفعه قاسم أمين إلى اتحادات النساء التي ابتدأتها هدى الشعرواي وتبعتها أمينة السعيد إلي بيوت البغاء التي تولت كبرها بعض العواصم العربيه باسم الفن إلى دور الأزياء ودكاكين التجميل ومساحيق الوجه التي يشرف عليها يهود في باريس وروما وهوليود , إلى انتخاب ملكات جمال العالم ... إلخ . وتولى كِبَر ذلك الإعلام الذي يسمى الفاحشة فناً والفجور علماً وأقام معهد الفنون الجميلة وهي بيوت لتعليم الرذيلة على طريقة الرومان الذين عبدوا الجنس عبادة حقيقية , ألـِّهوا من خلالها فينوس الزانية ودخلت الصورة العارية المعركة ضد الإسلام لمحو آثار الإنسانية في أعماق الإنسان , واستعمل ما يسمونه أدباً في تدمير الإنسان (5) . (ب) وفي التشريع : استبدلت بشريعة الله تعالى شرائع وضعية أرضية مناهضة لها , نصب البشر أنفسهم بها آلهة من دون الله تعالى يشرعون للناس بما تملي لهم شياطينهم وتسول لهم أهواؤهم : { وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ (37) } سورة الزخرف , { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ } الشورى 21 , وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب , فقال : ياعدي , اطرح عنك هذا الوثن , وسمعته يقرأ في سورة براءة : { اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ } التوبة 31 , قال : أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم , ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه , وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه " (6) . وصاحب الاستدلال حملة كبيرة ولا تزال من التشكيك في المصدرين الأساسيين للشريعة , وهما : الكتاب والسنة , وتبع ذلك الحرب على لغتهما باعتبارها السياج الحافظ لهما ولهوية الأمة , فبذلت المحاولات لتشجيع العامية من قبل أعداء الإسلام ومن دار في فلكهم من تلامذتهم , كما فعل القاضي الإنجليزي ولمور الذي ألَّف عام 1902 م كتاباً أسماه لغة القاهرة , والمهندس الإنجليزي وليم كوكس الذي ترجم الإنجيل إلى العامية سنة 1926 م , وتبع هاذين أحمد لطفي السيد الذى دعا إلى تمصير اللغة العربية , ومن عجب أن يتولى هذا رئاسة مجمع اللغة العربية بالقاهرة , وعبد العزيز فهمي الذي دعا إلى كتابة العربية باللاتينية , وطه حسين الذي شن الحرب على النحو العربي بادعاء صعوبته وعدم مواكبته للعصر , في المحاضرة التي ألقاها عام 1955 م , وسعيد عقل اللبناني الذي دعا إلى قطع كل صلة بالعرب والعربية . ولا تزال الحرب الضروس معلنة على الإسلام وتاريخه ولغته ومصدره من مهاجمي هذه الأيام . (جـ) وفي التربية ومناهج التعليم : نجد الهدم الواضح الذي يزداد يوماً بعد يوم , وتفريغ المناهج من كل ما هو إسلامي , وهذا أمر ظاهر للجميع في كل البلدان الإسلامية تقريباً (7) . (د) وفي الحياة الإقتصادية : نجد فقراً مدقعاً وتسولاً على موائد الغير بينما عندنا - نحن المسلمون - الموارد المائية والمعدنية والبشرية , ونتمتع بالموقع الاستراتيجي في العالم كله , ومع هذا استطاع الغرب بما فرطنا في إسلامنا تطويقنا إقتصادياً وإنتاجياً , وأحكموا أمر جعل العالم الإسلامي عالة عليهم في كل شئ , ومنعوا عنه - بكل وسيلة - أن يحدث نهضة صناعية في أي شئ , فالسلاح نستورده منهم , وكل أدوات القوة منهم , وحتى أدوات الاستعمال اليومي نستوردها أو نستورد مصانعها منهم , فإذا أردنا أن نقاتل يجب أن يوافقوا أولاً , وإذا أرادوا سلاماً استطاعوا أن يفرضوا علينا ما شاؤوا , وإذا أرادوا أن يبقوا قطراً ضعيفاً فعلوا , وإذا أرادوا أن يسلطوا عليه جيرانه كان لهم ذلك , وهذا كله يجعلهم في وضع المتحكم في أدق الأمور وأكبرها , حتى أن أكثر الأقطار الإسلامية تظاهراً باستعصائها على الضغط الخارجي أكثرها تنازلات خفية (8) بل وعلنية كذلك كما هو مشاهد . (هـ) وفي الحياة السياسية : أقصى الإسلام عن الحكم باسم الفكرة التضليلية الوافدة علينا يريحها السموم من الغرب وهي : ( الفصل بين الدين والدولة ) أو ( الفصل بين الدين والسياسة ) بعد أن تناثرت حبات عقد الخلافة الإسلامية بفعلة سليل اليهود ( الدونمة ) الشنعاء مصطفى كمال أتاتورك فتمكن من العباد والبلاد من لا خلاق لهم , ففسدت بهم الأوضاع في الميادين كلها وصدق الله القائل : { إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ } يونس 81 , وفي الحديث المرفوع عن أنس بن مالك ( أن أمام الدجال سنين خداعة يكذب فيها الصادق ويصدق فيها الكاذب ويخون فيها الأمين ويؤتمن فيها الخائن ويتكلم فيها الرويبضة , قيل : وما الرويبضة ؟ , قال : الفاسق يتكلم في أمر العامة ) (9) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : ( لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والبخل ويخون الأمين ويؤتمن الخائن وتهلك الوعول وتظهر النحوت , قالوا : يا رسول الله , وما التحوت وما الوعول ؟ , قال : الوعول وجوه الناس وأشرافهم , والتحوت الذين كانوا تحت أقدام الناس ليس يعلم بهم ) (10) , فبهؤلاء بيعت الأوطان وضاعت المقدسات ووجهت الضربات الشرسة للدعاة إلى الله تعالى وعلا صوت النعرات الجاهلية على حساب الوحدة والدين , وهان المسلمون على أعدائهم بما وصلوا إليه وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال محذراً : ( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها , فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال : بل أنتم يومئذ كثير , ولكنكم غثاء كغثاء السيل , ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن , فقال قائل : يا رسول الله وما الوهن ؟ , قال : حب الدنيا وكراهية الموت ) (11) فتداعى الأمم الكافرة على المسلمين كما هو مشاهد الآن بسبب بدعهم عن الله تعالى وإيثارهم الدنيا على الدين مما أضاع هيبتهم من قلوب أعدائهم , ومما نتج عنه الفساد الذي ضرب بأطنابه في كل ناحية من نواحي الحياة , وانحسار الإسلام عن الساحة . يقول الأستاذ سعيد حوى رحمه الله : " ونتيجة لذلك فقد تم انحسار الإسلام عن الحياة انحساراً تاماً تقريباً : انحسر نظامه السياسي : انحسر مفهومه عن الأمة ليحل محله مفهوم القومية وانحسر مفهومه عن الوطن ليحل محله مفهوم آخر , وانحسر مفهومه عن القضاء ليحل محله مفاهيم الديمقراطية الشرقية أو الغربية , وانحسر مفهومه عن السلطة التنفيذية ليحل محله مفهوم شيطاني كامل , وانحسر مفهومه عن الحزبية الربانية ليحل محلها الحزبية الشيطانية . وانحسر نظامه الإقتصادي : انحسر مفهومه عن الملكية وطرق التملك والحقوق في الملك ومآل التملك , وانحسر مفهومه عن بيت المال ووارداته ونفقاته , وانحسر مفهومه عن وحدة المسلمين الاقتصادية , وانحسر مفهومه عن الاكتفاء الذاتي إلي غير ذلك من مفاهيم الإسلام عن الإقتصاد . وانحسر نظامه الاجتماعي : انحسر مفهومه عن الأسرة والعائلة وانحسر مفهومه عن التربية الأسرية وانحسر مفهومه عن العلاقات الاجتماعية التي تربط بين الناس , وانحسر مفهومه عن الرجل والمرأة والعلاقة التي تربط بين الإثنين ووظيفة كل منهما الاجتماعية . وانحسر نظامه التعليمي : انحسر مفهومه عن فروض العين وفروض الكفاية وانحسر مفهومه عن العلوم المفروضة والمكروهة والمباحة , وانحسر مفهومه عن التربية والتعليم والهدف من التربية والتعليم , والشخصية التي تتخرج بالتربية والتعليم . وانحسر نظامه الأخلاقي : انحسر مفهومه عن الإنسان , وانحسر مفهومه عن الشخصية وانحسر مفهومه عن الآداب وانحسر مفهومه عن السلوك وانحسر مفهومه عن الأخلاق الأساسية . لقد انحسرت أنظمة الإسلام وانحسرت إلى حد ما عباداته ثم انحسرت عقائده نتيجة لذلك , حتى إنك نادراً ما تجد بين مثقفي العالم الإسلامي إنساناً صافي العقيدة سليمها . " (12) إن هذا الواقع السيء الذي يمر به العالم الإسلامي لابد له من تغيير , والتغيير يقع على عواتق الدعاة إلى الله تعالى بالدرجة الأولى , فهم خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في التغيير والإصلاح , وإذا كانوا مسؤولين على حفظ توازن السفينة - سفينة الحياة - حتى تصل بالناس إلى شاطئ النجاة , فهم مسؤولون كذلك على رتق الخرق الذي أحدثه العابثون المضللون فيها قبل أن تغرق بالجميع وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقول : « مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا ، فَكَانَ الَّذِينَ فِى أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِى نَصِيبِنَا خَرْقًا ، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا . فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا ، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا » . (13) ولا شك أن التغيير ليس إستيراد مناهج من هنا أو من هناك ولكنه يكون بإحياء هذا الدين المخدر في الأمة من جديد , وإعادة ما اندرس منه حتى تتبوأ مكانتها المفقودة في الدنيا من جديد , وهذا يتطلب جهوداً متضافرة بين جميع العاملين في حقل الدعوة مع الصبر على طول الطريق ومشقته , يقول الإمام حسن البنا مخاطباً الدعاة العاملين : " أنتم روح جديد يسري في قلب الأمة فيحييه بالقرآن , ونور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله , وصوت داو يعلو مردداً دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم , ومن الحق الذي لا غُلُوَّ فيه أن تشعروا أنكم تحملون هذا العبء بعد أن تخلى عنه الناس " (14) فهل دعاة اليوم على استعداد لنيل هذا الشرف مع ما فيه من متاعب بدنية ؟ إن حاجة الناس إليهم كحاجتهم إلى الطعام والشراب فإذا كان الطعام والشراب حياة الأبدان , فإن الدعوة حياة العقول والأرواح , وأنّى لانسان يعيش بدون عقل وروح ؟ فبالغذاء الحسي والمعنوي تكمل إنسانية الإنسان , ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله : " لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم " , وقال بعض السلف : " العلماء سرج الأزمنة , كل واحد مصباح زمانه يستضيء به أهل عصره " , وقال يحي بن معاذ : " العلماء أرحم بأمة محمد صلى الله عليه وسلم من آبائهم وأمهاتهم , قيل : وكيف ذلك ؟ , قال : لأن آبائهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا , وهم يحفظونهم من نار الآخرة . " والعلماء المذكورون هنا دعاة إلى الله في المقام الأول . |