
وعلى الرغم من أن هذا التحدي قد أُعيد عليهم بقوالب مختلفة من اللفظ والأسلوب - كما سنرى - وقد تم إنهاضهم إليه بالتقريع والتحمس ومختلف أشكال التحدي ، وهم ما هم عليه من أنفة ، وفيهم ما فيهم من الشعراء والخطباء وفرسان الكلام ، ومع حرصهم الشديد على إبطال دعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - إذ قد سفه أصنامهم وعاب طريقتهم في الدين ، وجعل القرآن الكريم موجباً لطاعته والانقياد له ، إلا أنهم قد وقفوا أمامه موقف العاجز المهزوم ، ولم يستطع أحداً منهم المواجهة ...
لذلك صار هذا التحدي الذي أظهره النبي ( باسم الله ) والذي نتج عنه عجز العرب وهزيمتهم أمامه ، صار تصديقاً وتأييداً من الله لرسوله الكريم ، وشهادة منه على صدق نبوته ، لذلك نجد في سورة الأنعام : 19 { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ .. }.
أي قل يا محمد أي شيء أكبر شهادة من الله حتى يعترفوا بالنبوة، فإن أكبر الأشياء شهادة هو الله سبحانه وتعالى فإذا اعترفوا بذلك فقل إن الله شهيد لي بالنبوة لأنه أوحي إليّ هذا القرآن وهذا القرآن معجز، لأنكم أنتم الفصحاء والبلغاء وقد عجزتم عن معارضته فإذا كان معجزاً، كان إظهار الله إياه على وفق دعواي شهادة من الله على كوني صادقاً في دعواي. والحاصل : أنهم طلبوا شاهداً مقبول القول يشهد على نبوته فبين تعالى أن أكبر الأشياء شهادة هو الله، ثم بيّـن أنه شهد له بالنبوة وهو المراد من قوله { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ }. فهذا تقرير واضح [3].
آيات التحدي القرآنية :
في مكة عندما كان مشركوا قريش يسرحون في اوج قدرتهم، بينما كان المسلمون مستضعفين ويشكلون قلة قليلة بينهم نزلت آيات التحدي للمشركين المرتابين تطلب منهم أن يأتوا بسورة من مثل سور القرآن :
فقال لهم متحدياً كما في سورة الطور : 33 وهي سورة مكية : { أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ } والمعنى : إن كانوا صادقين في زعمهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد تقول القرآن الكريم من تلقاء نفسه ، فإنهم لن يعجزوا عن الإتيان بحديث مثله ، لأن محمد يتكلم اللغة العربية وهم مثله في العربية وأشد تمرناً منه في النظم والعبارة ..
وقال لهم متحدياً كما في سورة هود : 13 وهي سورة مكية : { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } والمعنى : إن كانوا صادقين في زعمهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد افترى القرآن ، فإنهم لن يعجزوا عن تأليف العشر سور ، لأنهم مثله في العربية ، مع ما بهم من طول الممارسة للخطب والأشعار وكثرة المزاولة لأساليب النظم والنثر، ولهم أن يستعينوا بمن يستطيعون ليساعدوهم على تأليف العشر سور .
ثم تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله إمعاناً في تعجيزهم وتحديهم فقال لهم كما في سورة يونس : 38 وهي مكية : { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } والمعنى إن كان الأمر كما يقولون فليأتوا بسورة مثله أي في البلاغة وحسن الصياغة وقوة المعنى - على وجه الافتراء - فإنهم أقدر على تأليف الكلم واختلاقه منه صلى الله عليه وسلم ، لأنهم قد مارسوا مبادىء ذلك من الخطب والأشعار وزاولوا أساليب النظم والنثر ، ولهم أن يستعينوا بمن يستطيعون ليساعدوهم على تأليف السورة .
وكان قبل كل ذلك تحداهم في اسلوب عام يتناولهم ويتناول غيرهم من الانس والجن ، فقال لهم في نفي قاطع وصريح كما في سورة الاسراء : 88 وهي سورة مكية : { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا }.
وهنا نسأل : كيف لعربي في بداية دعوته أن يصدر هذا الحكم المتضمن لهذا النفي القاطع والصريح وهو يعلم أن مجال المساجلات بين العرب مفتوح على مصراعيه ؟!
يقول الإمام ابن تيمية : هذا لا يقدم عليه من يطلب من الناس أن يصدقوه إلا وهو واثق بأن الأمر كذلك ، إذ لو كان عنده شك في ذلك ، لجاز أن يظهر كذبه في هذا الخبر ، فيفسد عليه قصده [4].
هذا وبعد أن أذن الله سبحانه وتعالى لرسوله الكريم بالهجرة إلى المدينة المنورة ، هناك أعاد المولى تبارك وتعالى التحدي للمشركين وكفار أهل الكتاب في آيتين من سورة البقرة ، وهي من أوائل ما نزل من السور بعد الهجرة في وقت لم تظهر للإسلام فيه القوة ولا المنعة بعد ، فقال تعالى : { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [ البقرة : 23 ]
ثم حكم عليهم سبحانه وتعالى حكماً مؤبداً فقال : { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ }
يصف محمد الصادق عرجون آيتي سورة البقرة بأنهما أقوى ما جاء في التحدي ، لما فيهما من القطع بعجز المتحدين مع التقريع والتهديد بالوعيد ، البالغ حداً لا يبقى معه شيء من ساكن العداوة إلا تحرك ، ولا عامل من عوامل المعارضة - لو كانت ممكنة - إلا هاج وأرعد ، ولا بقية من نخوة الانتصار للنفس والمعتقد إلا ثارت وغبرت [5].
نتيجة التحدي :
لقد عجزوا عن الإتيان بالمطلوب ، فلم يأتوا بحديث مثل القرآن ، ولم يأتوا بعشر سور مثله ، ولم يأتوا بسورة من مثله ، وكان المؤمنون في ذلك الوقت يسمعون آيات التحدي ويقرأونها ولو ظهرت أي معارضة فعلية للقرآن لأهتزت قضية الدين عندهم، ولضاع الدين وانتهى وهو في بداية ظهوره ولما آمن بهذا القرآن أحد ، ولأنطفأ أمر النبي صلى الله عليه وسلم واختل حاله بين العرب ، إلا ان أمره صلى الله عليه وسلم كان يعلوا شيئاً فشيئاً وأتباعه يتزايدون حالاً فحالا ...
ولو صح من العرب انهم قبلوا التحدي فعارضوا القرآن الكريم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لترتب عليه سقوط دعوته بعد ظهور هزيمته وانهيار حجته و بطلان معجزته ، فما كان لهذا القرآن ان يدخل في نفوس الناس في بدايات الدعوة في مكة والمدينة ، باذلين من اجله النفس والمال والولد ، يوم لم تكن للإسلام القوة والمنعة بعد ، وثمة معارضون للقرآن من العرب الاقحاح ، يأتون بمثله للناس مظهرين فساد دعوى التحدي في تلك الآيات .. فتأمل !
قال الجاحظ : لو تكلف بعضهم ذلك - يريد المعارضة - فجاء بأمر فيه أدني شبهة ، لعظمت القصة على الأعراب وأشباه الأعراب .. ولكثر القيل والقال ، وان سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أسرع في تفريق أتباعه [6]. وتبعه الباقلاني فذكر أنهم لو كانوا عارضوه بما تحداهم إليه لكان فيه توهين أمره ، وتكذيب قوله ، وتفريق جمعه ، وتشتيت أسبابه ، وكان من صدق به يرجع على أعقابه ويعود في مذهب أصحابه .. ورأى صاحب المغني : أن المعارضة لو وقعت لكان فيها اضطراب لنفوس أصحابه [7].
ولما لم يكن شيئاً من هذا قد حدث فإننا على يقين تام بأن العرب قد وقفوا أمام هذا التحدي موقف العاجز المهزوم ، وقد دفع هذا العجز بأهل الاستكبار منهم أن يصفوا هذا القرآن الكريم بقولهم : { هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ } كما في سورة الزخرف المكية آية : 30 ، وبقولهم : { إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ } كما في سورة المدثر المكية آية : 24 ، وذهبوا ينعتون هذا الرسول الذي جاءهم بما أعجزهم بقولهم : { إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ } كما في سورة يونس المكية آية : 2 ، وكذلك قولهم : { هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ } كما في سورة ص المكية آية : 4 ، وليس كل ذلك إلا لهزيمتهم وقصور قرائحهم أمام القرآن الكريم ، ومدى تأثيره العجيب في نفوسهم . . وقد ذهبوا يتواصون على عدم سماع القرآن والمشاغبة والتشويش عليه قائلين فيما بينهم : { لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ .. } فصلت : 26 ، ونلاحظ من هذه الآية الكريمة انهم أرادوا الغلبة من خلال عدم السماع لهذا القرآن ، وليس من خلال قبولهم التحدي لأنهم قد فهموا حقيقته وانه خارج عن مقدرتهم ، ولذلك لما قال البعض منهم على سبيل الكذب والوقاحة : { لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } كان هو قول منهم بلا فعل ..
هذا ولقد كانت آيات التحدي تُقرأ في قوالب مختلفة من اللفظ والأسلوب - كما رأينا – ولو لم تكن تلك الآيات حقيقة واقعة في حياته - صلى الله عليه وسلم - لسارع كبار الصحابة من بعده والمؤمنون به وكتاب الوحي وكبار الحفظة القراء وقت جمع القرآن الكريم إلى إنكارها ورفضها ، كيف لا ، وقد ضحوا بأموالهم وأنفسهم شرقاً وغرباً في سبيل نشر هذا الكتاب الذي جاءهم به - صلى الله عليه وسلم - إذ لا مصلحة في تحمل الأذى في سبيل دين باطل يكذب عليهم ...
ولقد كان هذا التحدي سبباً في إسلام الكثيرين، لأن القرآن الكريم بهذه الاستثارة للعقول والألباب والقلوب يدعو للتفكر في القرآن بشكل أكبر ، ويجعل الإنسان الشاك يتدبر أكثر و أكثر ، حتى يصل إلى النهاية المحمودة إذا كان ممن يبحث الحق متجرداً من الهوى [8].
